أن تعيش في عالم الرواية
أن تقرأ، هو أن تعي ما يحيطُ بك، أن تعيش مئات التجارب الوجودية، كل تجربة تمخّضت من فكرِ أحد البشر الذين نشترك معهم في معتركِ الحياة. وهذا ما يهبنا إياه الروائي الحذق. الروائي يصنعُ عالمه بشخصيات تنطق بما يبتغي إيصاله للقارئ، وبدوافع عدّة نحو: تبنيه قضية، أو لإشباع رغبة تعتريه، أو ليصنع عالمًا مغايرًا يفصله عن الواقع. وحين نقرأ نغدو أفرادًا في عوالمهم. إن التماهي مع شخوص الرواية ليست أحلام يقظة، ولا عرضًا تراه عيانًا، إنما شخوص في فكرك، يشكّلها الخيال حتى من دون رسوم لها، فيخلق لها العقلُ صورًا، ويعطيها صوتًا، جاعلًا منك ترجمانًا لسرد الأحداث. تعايش ما تعايشه الشخصية، فترى بعينيها وتسمع بأذنها، فتبتهج أو تُصاب بالتعاسة؛ ويطيب لك العبير الذي مرَّ بأنفها، وتشمئزُ من رائحة وضعت الشخصية طرف درن ما تلبس لتتّقي نفاذ رائحة عطنة. ومع طيّ الصفحة الأخيرة، نغلقُ باب العالم الذي عشنا فيه حياة آخرين، عشنا معهم في أزمان غابرة مع السلاطين والأباطرة، دخلنا إلى خان مكتظ بالصعاليك، وخضنا مع الفرسانِ مبارزاتهم. وقبل كل هذا كنّا في كهف مع الإنسان...