الذكر والأنثى: ماوراء التوقعات
دائمًا ما تثير فكرة التشابه بيننا شيئًا من النفور، فكرة أننا خُلقنا من الجوهر نفسه، وأن أدوارنا ما هي إلا قواعد اجتماعية وُضعت لتخدمنا كأفراد داخل المجتمع.
صحيح أن اختلافاتنا البيولوجية ساعدت على نحت وتشكيل هذه الأدوار، ولكن لو نظرنا عن قرب لوجدنا أننا قادرون أحيانًا على تجاوزها وامتلاك تفضيلات أو ميول شخصية لا تتطابق تمامًا مع هذه الأدوار، دون أن تنفي بيولوجيتنا أو هويتنا الجندرية، بل قد تكون جزءًا منها.
ويمكننا ممارسة هذا التنوّع بصورة جميلة إذا وُجدت بيئة مشجعة ومحفّزة للتغاير، ولا تفرض حدودًا صارمة على الشخصية.
على سبيل المثال: وبحكم تكويننا الجسدي، يُعتبر الذكر أقوى بدنيًا من الأنثى، مما جعله تاريخيًا الطرف الذي يقوم بالأعمال الشاقة ويحمي غيره. وفي المقابل، تحمل الأنثى الأطفال في جسدها، وهو ما جعلها غالبًا الطرف الأكثر ارتباطًا بتغذيتهم ورعايتهم. هذه الحقائق البيولوجية أنتجت سلوكيات وأدوار كان يُعتقد أنها لا تتحمل الكثير من التغيير. لكن حين نحلل الأمر في الإطار الثقافي والاجتماعي، نجد أن هناك سلوكيات أخرى اكتسبناها من الأغلبية في كل جنس، حتى أصبحت معيارًا للقبول والتشجيع. فالذكر حين يُظهر صفات معينة، يُصفَّق له ويُشجَّع، بينما الأنثى لا تلقى نفس القبول إذا أظهرت الصفات نفسها… والعكس صحيح. هذا الواقع يجعل كثيرون يخفون بعض صفاتهم الحقيقية أو يتبنون سلوكيات ليست من طبيعتهم، بل تشكّلت تحت تأثير التوقعات المجتمعية، والأنماط السائدة، وما يرونه متكررًا في محيطهم. فالذكر قد يشعر بأنه أكثر “طبيعية” حين يتصرف مثل معظم الذكور، والأنثى تشعر بالأمر نفسه حين تتوافق مع ما هو شائع بين الإناث. وحتى التعبير عن المشاعر يخضع لهذه القوالب: الغضب مقبول أكثر لدى الذكور، بينما الحزن والقلق مقبولان أكثر لدى الإناث. وهكذا، يرسم المجتمع – غالبًا دون وعي – ما يمكننا فعله وما لا يمكننا، وما هو مقبول أو مرفوض. وبالرغم من أن لدينا صفات مرتبطة بجنسنا البيولوجي، إلا أننا نعتمد على ما هو “غالب” ومألوف لدرجة أننا صنعنا توقعات صارمة لكل جنس، يصعب الخروج عنها-- ومن يخرج عنها يثير القلق ويتم تثبيطه. لا شك أن اختلافاتنا البيولوجية – مثل تفاوت مستويات الهرمونات بين الذكور والإناث – تخلق اختلافات في الطاقة والمزاج وردود الفعل، لكن هذا لا ينبغي أن يحكم أدوارنا الاجتماعية بشكل كامل، خاصة مع تنوع الشخصيات والطبائع، ومع العلم أن بعض الصفات لا تعني بالضروره الخروج عن “الفطرة” بل الخروج عن "السائد". حين ندرك أن سيكولوجية البشر مرنة، وأن الشخص قد يتطابق مع الصورة النمطية أحيانًا أو يختلف عنها بدرجات، سنصبح أكثر تقبلاً وسماحًا لكلا الجنسين بالتعبير عما بداخلهم دون حصر الصفات في جنس واحد. فالصبر، والقوة، والتوازن، والإبداع صفات إنسانية، تختلف مقاديرها بين الأفراد، ولا يصح أن تُنسب لجنس دون الآخر. نعم، الفروق البيولوجية تؤثر على الشخصية والتفكير، وهذا متوقع. لكن من واجبنا ألّا نجعل هذه الفروق حدودًا نهائية تحدد كل ما نحن عليه. علينا أن نميّز بين ما هو ضروري لبناء مجتمع فعال، وما هو مجرد فكرة تهدف إلى تثبيط المختلف عن الصورة النمطية التي اعتدناها. الوجود الصحي داخل المجتمع يعني دعم التطور والمشاركة المتوازنة، بحيث يُتاح للرجل أن يكون معلمًا أو مربيًا أو طباخًا أو فنانًا إذا كانت هذه مواهبه، ويُتاح للمرأة أن تكون قائدة في تقنية المعلومات، أو مهندسة مدنية، أو صاحبة مشروع، إذا كانت تلك طموحاتها.
كتابة: إرتواء علي
تحرير: سكينة الحايك
Comments
Post a Comment