تجربة مع كتاب

تجربة في قرات كتاب: من العلمانية إلى الخلقانية.

اسم الكاتب: نايف بن نهار.

عدد الصفحات: 286 صفحة.

مقدمة:

من السهل أن تكتب عن موضوع القتل بحثًا ويصبح كتابك بين آلاف الكتب المركونة على الرف لا يقدم أي جديد،  أو أن تكون لك إضافات قليلة لا تظهر على السطح المعرفي؛ وبعكس ما ذكرت هو ما رأيته وقرأته في جهد الدكتور نايف في بحثه الذي أرى أنه ثورة فكرية لو التفت إليه من قبل الجهات المعنية.



مشروع الدكتور أقل ما يقال عنه أنه طموح جدًا، ويهدف هذا البحث إلى تفكيك مصطلح العلمانية وتقسيمه ليخرج بعدة مفاهيم جديدة لتكون مناسبة لتوصيف جدلية العلاقة بين السلطة والدين بعيدًا عن المفاهيم المستوردة كما وصلتنا من الغرب.



حتى حين نرجع للغرب وجدلية العلاقة بين الدين والسلطة ونرى التغيرات التي طرأت بعد التخلص من تسلط الكنيسة، نجد أن الغرب له طرق مختلفة في التعامل مع الدين في سياسته، ففرنسا المعادية للدين ليست كبريطانيا التي تعتبر الملك رئيسًا للكنيسة، مع ذلك ففرنسا علمانية وبريطانيا كذلك، نستنج أن مفهوم العلمانية متغير حسب السياق التي وجدت فيه.



يبدأ الدكتور بمرحلة التفكيك المعرفي لوضع الحد الفاصل في أشكال العلاقة بين الدين والسلطة، ويقسمها إلى خمسة مستويات:

1. فصل رجال الدين عن السلطة: أي أن رجل الدين ليس له أي سلطة سياسية وهو ما سماه العلمانية.

2. فصل الدين عن التشريع والقوانين: وهو ما اعتبره الكاتب مرحلة متقدمة من العلمانية يستغنى عن الدين كمرجعية شرعية وقانونية وهو ما سماه الخلقانية نسبة إلى الخَلق، أي استبدال مرجعية الخالق بمرجعية المخلوق.

3. فصل الدين عن المجال السياسي: وهو مرحلة ما بعد الخلقانية، فبعد تحييد الدين قانونيًا يكون هذا المستوى من الفصل هو في الحاكم نفسه حيث تكون سياساته لا تراعي شريعة ولا دين؛ وهذا المستوى أشمل من العلمانية التي تفصل رجال الدين عن السلطة، ولكن قد يكون الحاكم متدينًا وإن كانت القوانين لا تحتكم للشريعة ويحاول أن يطوع القوانين الوضعية بما لا يخالف الشرع وسمي هذا المصطلح بالسلطة اللادينية، ووضع لها مصطلح مضاد وهي السلطة المتشرعة أي التي تحتكم للشريعة أو تراعيها على الأقل بدل أن يستخدم مصطلح السلطة الدينية التي توحي بالحكم الثيوقراطي.

4. فصل الدين عن المجتمع: أي فصل الدين عن الفضاء العام في المدارس والمؤسسات. وتعتبر فرنسا النموذج الأوضح في هذا الفصل تحت مسمى اللائكية

5. فصل الدين عن الفرد: وهذا أشدهم تطرفًا كما كان في الدول الشيوعية وهو ما يسمى اللادينية.



وبناءً على ما سبق نتطرق لجدلية العلاقة بين الدين والسلطة في تاريخنا الإسلامي، نجد أنه لم تمر مرحلة تسلط فيها رجال الدين على الحكم كما حصل في أوروبا، فبينما كانت أوروبا غارقة في الجهل من جهة وتسلط الكنيسة من جهة أخرى، كانت الحضارة الإسلامية تشهد نهضة عظيمة! 

وأسباب التخلف التي حصلت للمسلمين آنذاك بعيدة كل البعد عن السياق الأوروبي، فكما يقول الدكتور فإن المطالبة بالعلمانية في العالم الإسلامي كمطالبة الأعزب بأن يطلق، فهي دعوى لا معنى لها، ووجود العلمانية في العالم الإسلامي ليس نتيجة جدل داخلي، وإنما جاء استيرادًا من الخارج وفرض من أعلى السلطة كما حصل مع تركيا الأتاتوركية مثلًا، وكل الدول الإسلامية التي تقر بالعلمانية في دساتيرها لم تجرب السلطة الدينية كما حصل في أوروبا.


إذن فمطالبة العلمانيين العرب اليوم بالعلمانية إنما هو مطالبة بفصل الدين نفسه عن التشريع وعن الفضاء السياسي إنما هو يتراوح بين المستويين الثاني والثالث دون الأول.



مع العلمانية:

العلمانية كمصطلح بذاته كان أول إشكال يمر علينا قبل الخوض في الفكرة، فهل هي بفتح العين لتصبح من العالم والدنيا؟ أم بكسر العين لتصبح من العلم؟ وأي كان المقصود فهو لا يعبر عن السياق الإسلامي كما يمثله مصطلح الخلقانية ولكن غالبًا ما يكون المفهوم بفتح العين نسبة للعالم، ولكي نفهم ماهية العلمانية لا بد للرجوع للجذور الغربية التي أظهرت المصطلح.



سابقًا كان يطلق لفظ علماني على كل من لم يسخر نفسه للكنيسة، فصار المجتمع ينقسم إلى رجال دين وعلمانيين، وعليه يتبين أن مصطلح علماني خاص بالسياق المسيحي الذي يفصل بين مملكة الأرض ومملكة السماء، ولكي نفهم متى بدأت المطالبة بالعلمانية في أوروبا ينبغي تتبع جدلية العلاقة بين الدين والسلطة إلى سبعة مراحل:

1. مرحلة المسيح عليه السلام: وكانت في ظل سلطة سياسية قائمة وهي مرحلة انعزال تام عن السلطة.

2. مرحلة بولس الرسول: مرحلة التأصيل النظري لهذا الفصل وفي هاتين المرحلتين الفصل قائم ابتداء

3. مرحلة تنصر قسطنطين: وهي مرحلة اتحاد السلطة السياسية مع الكنيسة.

4. مرحلة هيمنة الكنيسة: وهذه المرحلة بدأت بسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية على يد الجرمان بحكم أنها المؤسسة الوحيدة التي بقيت صامدة.

5. مرحلة الملكيات المطلقة: بدأت في القرن السادس عشر تقريبًا وفيها صارت الكنيسة خاضعة للسلطة السياسية.

6. مرحلة الثورة الفرنسية وقُبيلها: وهي مرحلة المطالبة الشعبية للتخلص من هيمنة الكنيسة وفصلها عن السلطة السياسية وهنا ظهرت ظاهرة احتقار القساوسة مع احترام الدين نفسه.

7. مرحلة ما بعد الثورة الفرنسية: وهي مرحلة التمرد على الدين وظهور التيارات الإنسانوية.

ونلاحظ أن مرحلة المطالبة بفصل الكنيسة عن السلطة ما هي إلا محاولة لإرجاع الوضع القديم كما كان في مرحلة المسيح ومرحلة بولس، فلا تعبر العلمانية بالضرورة عن كفر وإلحاد في السياق الغربي كما وسع مفهومها عبد الوهاب المسيري، ففي هذا الظرف يكون المطالبة بالعلمانية لا إشكال فيه.

مع الخلقانية (فصل الدين عن التشريع):

إن من يريد تحييد الدين كمرجعية يفترض أن يكون له مرجعية بديلة، وليس هناك مرجعية إلا الإنسان نفسه، ولكي يكون للإنسان هذه المرجعية المطلقة فإنه ينبغي أن يمتلك الراشدية المطلقة: أي أن يكون له القدرة على اختيار الأصلح دائمًا، والإقرار بهذه الراشدية يفترض أن الإنسان كلي العلم، وكلي الخير وفكرة الراشدية متجلية في الفردية الليبرالية.

وقد يعترض معترض ما بأنه لا يدعي الراشدية للإنسان وإنما هي أهون الشرين فيبقى اللجوء للدين أسوأ من القوانين الوضعية، والحقيقة أن التاريخ أثبت أن الحروب العلمانية كانت أسوأ وأكثر دموية من الحروب الدينية من بداية حروب نابليون، وظهرت واضحة وجلية في الحربين العالميتين وحروب القرن العشرين.

خاتمة:

فيما سبق حاولت تلخيص أهم أفكار الدكتور بشكل مختصر وإن كان يبدو أطول من المعتاد في مراجعات الكتب وقد تجاوزت عامدًا مناقشته للإسلام كمصدر تشريعي ومحاولات بعض العلمانيين لأسلمة الخلقانية وفضلت عرض الإشكالات وأترك المعالجة لكي يقيمها القارئ بقراءته للكتاب.


-مجد الزاير.

Comments

Popular posts from this blog

حين قرأت الحداثة السائلة

الذكر والأنثى: ماوراء التوقعات

في قراءة قانون الحياة