أن تعيش في عالم الرواية


   أن تقرأ، هو أن تعي ما يحيطُ بك، أن تعيش مئات التجارب الوجودية، كل تجربة تمخّضت من فكرِ أحد البشر الذين نشترك معهم في معتركِ الحياة. وهذا ما يهبنا إياه الروائي الحذق. 


  الروائي يصنعُ عالمه بشخصيات تنطق بما يبتغي إيصاله للقارئ، وبدوافع عدّة نحو: تبنيه قضية، أو لإشباع رغبة تعتريه، أو ليصنع عالمًا مغايرًا يفصله عن الواقع. وحين نقرأ نغدو أفرادًا في عوالمهم. 


   إن التماهي مع شخوص الرواية ليست أحلام يقظة، ولا عرضًا تراه عيانًا، إنما شخوص في فكرك، يشكّلها الخيال حتى من دون رسوم لها، فيخلق لها العقلُ صورًا، 

ويعطيها صوتًا، جاعلًا منك ترجمانًا لسرد الأحداث. 

تعايش ما تعايشه الشخصية، فترى بعينيها وتسمع بأذنها، فتبتهج أو تُصاب بالتعاسة؛ ويطيب لك العبير الذي مرَّ بأنفها، وتشمئزُ من رائحة وضعت الشخصية طرف درن ما تلبس لتتّقي نفاذ رائحة عطنة. 


ومع طيّ الصفحة الأخيرة، نغلقُ باب العالم الذي عشنا فيه حياة آخرين، عشنا معهم في أزمان غابرة مع السلاطين والأباطرة، دخلنا إلى خان مكتظ بالصعاليك، وخضنا مع الفرسانِ مبارزاتهم. وقبل كل هذا كنّا في كهف مع الإنسان الأول، تحركنا الغرائز، نأكل اللحم النيء،  نرتدي جلد حيوانًا اصطدناه، وأثناء ذلك فقدنا فردًا نعرفه. 

لم يقتصر الأمر على العودةِ لماضٍ سحيق، بل تخطينا الحاضر إلى المستقبل؛ حيث الآلهة لها السيادة، غزو الفضائيون لنا، وباء أباد ثلاثة أرباع البشرية، وحوشٌ تشقّ الأرض وتقتات على أجسادنا. 

ما أبرع البشر في تخيّل أشكالٍ عدة للهلاك. كم هذا مبشر! 


لم يضنن رواة العصر الحديث علينا بروايات تضج بالمشاعر؛ عن علاقات الحب لا تفضي إلا شيء ما إن تبدأ حتى يُكتب لها الختام، ويكفينا من ذلك رواية "الليالي البيضاء" لفيودور دوستويفسكي.

أو عن تجنيد صبيةٍ في حرب أهلية دون اكتراث بالدمِ المهرث والأحلام الضائعة للنجاين، لا أحد شارك في الحربِ ونجى؛ إنها تستوطن الأرواح، كما في رواية "وحوش بلا وطن" للكاتب: أوزودينما أيولا.

وفي رواية "إهانة غير ضرورية" تطرّق فيها: إياد عبد الرحمن إلى زجّ أفرادٍ في منظومة خدمة دينية تستلزم فيها أن يكونوا مجبوبين. 

والفقرِ المدقع الذي أصاب -عزيز- تلك الشخصية التي جعلها أزهر جرجيس تلقى المصائب من كل حدب وصوب في روايتهِ "وادي الفراشات"

وفي مواليد حديقة الحيوانات، يصور أشرف العشماوي الطبقة الاجتماعية المطحونة، التي تقتات على ما يلقى من موائد علية القوم، مقابل التضحية بسنوات من أعمارهم.


وما بين اعتناق الخرافة وتكذيب الواقع، وإرغام الآخرين على الإيمان بالأسطورة في بلد العميان للكاتب: هربرت جورج ويلز؛ وبين العزلة والإقصاء والنبذ بسبب الاختلاف كما في رواية التحول لفرانز کافكا. نعيش نحن.





كل هذه شخصيات صنعها رواة أفذاذ لنعيش حيواتهم، لنشعر بالآخر، لنعي ما يحدث حولنا.



حسين محمد المسجن


التحرير: سكينة الحايك.

Comments

Popular posts from this blog

حين قرأت الحداثة السائلة

الذكر والأنثى: ماوراء التوقعات

في قراءة قانون الحياة